صفي الرحمان مباركفوري
83
الرحيق المختوم
دونه مكة ساعة من نهار ، وعرفوا جلية الأمر ، رجع منهم من رجع إلى الحبشة ، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيا ، أو في جوار رجل من قريش « 1 » . ثم اشتد عليهم وعلى المسلمين البلاء والعذاب من قريش ، وسطت بهم عشائرهم ، فقد كان صعب على قريش ما بلغها عن النجاشي من حسن الجوار ، ولم ير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدا من أن يشير على أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مرة أخرى ، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها ، فقد تيقظت لها قريش وقررت إحباطها ، بيد أن المسلمين كانوا أسرع ، ويسر اللّه لهم السفر ، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة قبل أن يدركوا . وفي هذه المرة هاجر من الرجال ثلاثة وثمانون رجلا إن كان فيهم عمار ، فإنه يشك فيه ، وثمان عشرة أو تسع عشرة امرأة « 2 » . وبالأول جزم العلامة محمد سليمان المنصور فوري « 3 » . مكيدة قريش بمهاجري الحبشة عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم ، فاختاروا رجلين جلدين لبيبين ، وهما : عمرو بن العاص ، وعبد اللّه بن أبي ربيعة - قبل أن يسلما - وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته ، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة ، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون ، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم ، حضرا إلى النجاشي ، وقدما له الهدايا ثم كلماه ، فقالا له : أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردهم إليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه . وقالت البطارقة : صدقا أيها الملك ! فأسلمهم إليهما ، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم . ولكن رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية ، وسماع أطرافها جميعا ، فأرسل
--> ( 1 ) نفس المصدر 5 / 188 . زاد المعاد 1 / 24 ، 2 / 44 ، وابن هشام 1 / 364 . ( 2 ) انظر زاد المعاد 1 / 24 ، رحمة للعالمين 1 / 61 . ( 3 ) انظر المصدر الأخير .